08.09.2022

إما الآن وإلا فلا: السباق العالمي نحو الأمن الغذائي

إذا كانت هناك فرصة واحدة تحملها الأزمة الغذائية في 2022، فإنها تتمثل في بناء أنظمة غذائية مرنة يمكنها التكيف مع أي تحديات مستقبلية.

ما كاد العالم يبدأ بالتعافي من تبعات جائحة كورونا، إلا وبدأت بوادر الأزمة الغذائية تظهر بعد ارتفاع الأسعار إلى أعلى مستوياتها. والتي ارتبطت بتأثر سلاسل التوريد بالأزمة الروسية الأوكرانية، مما أثر على السلع الأساسية مثل القمح والزيوت والأسمدة.

ففي مايو 2022 سجل مؤشر البنك الدولي لأسعار السلع الغذائية معدلات عالية لشهر أبريل 2022 تجاوزت معدلات العامين الماضيين بنسبة تزيد على 80%. ومن المتوقع أن تحافظ أسعار المواد الغذائية على هذا المستوى من الارتفاع الأعلى تاريخيًا حت نهاية 2024، الأمر الذي سيؤثر على ضعف الأمن الغذائي.

كما أن هناك تحدٍ آخر يتراءى في الأشهر القادمة ويتمثل في صعوبة الوصول إلى الأسمدة التي تعدّ مكونًا رئيسًا في إنتاج المحاصيل الزراعية. حيث تعد كل من روسيا وبيلاروسيا أكبر الدول المصدرة لهذه الأسمدة، إلا أنّ التزايد المستمر في أسعارها قد يؤثر على إنتاج المحاصيل في مختلف المناطق مما سيؤثر على الإمدادات الغذائية ومعيشة المزارعين.

 

تقلص الرقعة الزراعية

إلى جانب التضخم الغذائي، فإن التصحر وتقلص الرقعة الزراعية تعد عوامل إضافية تهدد الأمن الغذائي. في الوقت الذي تعاني فيه العديد من الدول من نقص الأراضي الصالحة للزراعة بسبب التغيرات المناخية وزيادة الزحف العمراني.

ففي كندا، تراجعت الرقعة الزراعية بنسبة 3.2% بين 2016 و2021.  وفي الولايات المتحدة الأميركية ساهم الزحف العمراني في القضاء على 11 مليون فدان من الأراضي الزراعية غير القابلة للتعويض حيث تم تحويل هذه الأراضي إلى مناطق سكنية بين عامي 2001 و2016. وقد أظهرت البيانات الأخيرة أن الولايات المتحدة خسرت 1.3 مليون فدان من الأراضي الزراعية في 2021.

علاوة على ذلك، فإن التغير المناخي يؤثر على مستوى المحاصيل الزراعية حول العالم.

  • في الموزمبيق، تسبب إعصار إلويز الذي ضرب البلاد في يناير 2021 في فيضانات أدت إلى تدمير 142 ألف هكتار من المحاصيل الزراعية
  • وفي الهند، ساهمت موجة الحر التي ضربت البلاد في ربيع 2022 في انخفاض إنتاج القمح بنسبة 10-15% من المستوى المتوقع والذي يبلغ 110 مليون طن متري.
  • أما في أوروبا، فقد تفاقمت حالات الجفاف في فصل الصيف بسبب موجات الحرارة التي أثرت على عائدات بعض المحاصيل

إذاً، كيف سيواجه العالم هذه التحديات؟

 

الزراعة القادرة على التكيف مع المتغيرات

تتجه العديد من الدول لمضاعفة إنتاجيتها من المحاصيل لزيادة استقلالها الغذائي، إلا أنّ جزءًا كبيرًا من الحل يتمثل في تطوير المحاصيل الزراعية ذات القدرة الأكبر على التكيف مع المتغيرات المناخية.

ومع أنّ القمح يعتبر أكثر الحبوب زراعةً على مستوى العالم، إلا أنّه لا يتسّم بالقدرة على التكيّف مع المتغيرات المناخية، حيث تتراجع عوائده بنسبة 7% لكل درجة مئوية ترتفع بسبب الاحتباس الحراري.  كما أنّ الصراعات والتغيرات المناخية تهدد إنتاج محاصيل القمح، وهو ما أدى إلى ظهور محاولات لإنتاج المزيد من الحبوب القادرة على التكيف مع المتغيرات المناخية والتي يمكن زراعتها محليًا.

وفي مملكة البحرين ودول الخليج الأخرى، تولي الحكومات أولويتها للحفاظ على زراعة النخيل وإنتاج التمور باعتبارها وسيلة لتحسين مستويات الأمن الغذائي ورفع مستوى معيشة المزارعين. حيث تعتبر التمور المحاصيل الوحيدة القادرة على تحمل قساوة البيئة الصحراوية لهذه المنطقة.

وتسعى مملكة البحرين في الوقت الحالي للانضمام إلى المجلس الدولي للتمور بهدف المساعدة في تطوير تقنيات زراعية أكثر استدامة، ورفع مستويات الإنتاجية. حيث يتكون المجلس في الوقت الحالي من 12عضوًا.

إضافة إلى ذلك، فقد افتتحت مملكة البحرين في العام الماضي عطاءات بقيمة 300,000 دينار (797,872 دولار) لإنشاء مصنع للتمور في هورة عالي. حيث يستهدف المصنع إنتاج 5 آلاف طن من التمر سنويًا، مع مضاعفة إنتاجيته بصورة تدريجية لتصل إلى 15,000 طن.

وفي أفريقيا، يدعو الباحثون إلى المزيد من الاستثمارات في المحاصيل المحلية كوسيلة لكسر اعتماد القارة على المحاصيل المستورة من القمح والأرز والذرة.

كما تتميز بعض المحاصيل عن غيرها من المحاصيل السائدة كالقمح والأرز بسرعة حصدها وإمكانية تخزينها لفترة أطول ومنها على سبيل المثال: الفونيو ونبات التيف، والذرة البيضاء والكسافا وغيرها. بالإضافة على قدرتها العالية على التكيف مع الجفاف وقيمتها الغذائية العالية. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الحبوب التقليدية لا تزال تعاني من قلة اهتمام الجهات الممولة بها.

الزراعة الداخلية

بالتزامن مع التحركات لتنمية المحاصيل المحلية، فإن هناك توجهًا عالميًا كبيرًا نحو الزراعة البيئية الخاضعة للرقابة (CEA). حيث يشمل هذا النظام في الإنتاج جميع أنواع الزراعات الداخلية التي يمكن التحكم ببعض عواملها باستخدام التكنولوجيا كالضوء الاصطناعي والزراعة المائية.

وتعد البيوت الزجاجية والزراعة العمودية إحدى أكثر الطرق الشائعة التي تلقى رواجًا متزايدًا في الدول التي يرتفع فيها الطلب على الغذاء والتي لا تتواءم فيها الظروف المناخية مع الزراعة التقليدية.

ففي مملكة البحرين، يتم إنتاج 98% من محاصيل “مزارع الجزيرة” المحلية وبالأخص من الخضروات الورقية باستخدام أنظمة البيوت الزجاجية التي تجمع بين الزراعة المائية، والزراعة المائية المركبة. ويجري العمل حاليًا على توسعة المشروع إلى هكتارين من خلال الشركة المصنعة Kingpeng,.

ويمكن زراعة النباتات المائية دون اشتراطات جودة التربة أو درجات الحرارة العالية وباستخدام كميات أقل من المياه مقارنة بالتربة. وهو ما يجعل الزراعة المائية ملائمة لتحسين مستويات الأمن الغذائي في المناطق ذات المناخ الصحراوي كالبحرين؟

وقد تمكنت دول الخليج من زيادة إنتاجها الزراعي عبر التوسع في المساحات الزراعية وتبني تقنيات الزراعة المائية. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، بلغ إنتاجها بتقنية الزراعة المائية 418 طن من الخضروات سنويًا وتسعى لزيادة هذا الإنتاج ليصل إلى 10 آلاف طن سنويًا وفقًا لإستراتيجية الأمن الغذائي.

وتمثل هذه الطموحات فرصًا كبيرة لشركات القطاع الخاص لاسيما التي تعمل في التكنولوجيا الزراعية والتي يمكنها معالجة التحديات البيئية الفريدة لمملكة البحرين لتحسين الأمن الغذائي لسكان المملكة البالغ عددهم 1.7 مليون نسمة.

ولعل الزراعة العمودية تعد أكثر ملاءمة من الزراعة في البيوت الزجاجية للدول ذات الرقعة الجغرافية الصغيرة كمملكة البحرين، والتي تغلب على مساحتها أراضٍ قاحلة مع محدودية مساحة الأراضي الصالحة للزراعة. ووفقًا لبيانات البنك الدولي فقد بلغت نسبة الأراضي الزراعية في مملكة البحرين 11% من إجمالي مساحة الدولة في 2018.

وتعمل الزراعة العمودية على تكديس المحاصيل في صوانٍ أو أبراج مما يتطلب مساحة أقل من التي تحتاجها الزراعة التقليدية القائمة على التربة، وهو ما يتيح الفرصة لإنتاج المزيد من المحاصيل ضمن مساحة جغرافية أقل. إضافة إلى ذلك، تستهلك الزراعة العمودية مياهًا أقل بنسبة 80 إلى 90% من الزراعة التقليدية، وهو ما يفسر سبب اتجاه دول الخليج للاتجاه بصورة كبيرة في هذا النوع من المزارع.

وعالميًا، تقدر قيمة سوق الزراعة العمودية بنحو 3.81 مليار دولار.

 

ما التالي؟

وفقَا للمعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، فإن الاتفاق الأخير بين روسيا وأوكرانيا لإعادة فتح موانئ البحر الأسود أمام شحنات الحبوب جلب بصيص أمل بعودة انخفاض أسعار المواد الغذائية حول العالم.

وعلى الرغم من ذلك، إلا أن الأزمة الغذائية قد وضعت بعض الحكومات أمام تحدي وجب إيجاد حلول فاعلة له على المدى القصير والبعيد. ونتيجة لذلك، لجأت العديد من الدول لتسريع بناء أنظمة غذائية أكثر مرونة، تعزز من إنتاجها المحلي وتسهم في تنويع سلاسل التوريد للأسواق الجديدة الناشئة.

واليوم، فإن الاتجاهات نحو الأمن الغذائي قد بدأت تظهر بشكل واضح، ومن غير المرجح أن تتراجع في المستقبل القريب.